عبد اللطيف البغدادي

7

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

العلمية ، ثم يفرّ هاربا خشية أن ينكشف أمره ؟ وإلا فما هو السرّ في كل هذه التنقلات ؟ لقد قسّم في مواضع أخرى ( 4 ، 5 ) تاريخ العلم وتطوره في العالم العربي إلى ثلاث مراحل : مرحلة الترجمة والنقل والتحصيل ، تليها مرحلة الإنتاج الذاتي ، التي تعقبها مرحلة الثورة على القدامى ، تلك الثورة التي عاصرت - مع الأسف - عصر التدهور والانهيار . لقد فطن البغدادي إلى هذا التدهور العلمي في مرحلة الانهيار التي عاش فيها ، وشاركه الكثيرون من معاصريه شعوره بجهل أطباء هذا العصر ، ومن هؤلاء ( ابن الجميع ) الذي أسلفنا ذكره ، لقد كتب ابن الجميع في القرن الثاني عشر الميلادي مقالة لم تنشر بعد ، عنوانها يدل على محتواها : « المقالة الصلاحية ( نسبة إلى صلاح الدين ) في إحياء صناعة الطب » ( 6 ) ، وهذه الرسالة حققتها العالمة العربية الدكتورة سميرة يوسف جدعون ، وهي في صدد نشر ترجمة إنجليزية لها ( 7 ) ، وقد ورد في هذه الرسالة أن ابن الجميع بحث مع الناصر صلاح الدين في خلال زيارة قام بها لدمشق ، مسببات الانهيار العلمي المعاصر ، وكيف أن الجهل سيطر على الأطباء . عزا هذا إلى أن الأحشاء محجوبة عن النظر وأن الأطباء يحجمون عن ممارسة التشريح الذي أوصى به جالينوس ، وأن كتابة التعليقات المختصرة التي انحرفت عن تعاليم أبقراط وجالينوس قد كثرت ، وأن الأطباء أصبحوا يكتفون بدراستها دون العودة إلى أصول هذين العالمين ، ثم أوصى بتشجيع أساتذة الطب وطلابه ، وقصر التدريس على تعاليم أبقراط وجالينوس ، وتدريب الطلبة بالمستشفيات ، وامتحانهم قبل الترخيص لهم بمزاولة المهنة ، ومراقبتهم وهم يمارسون التطبيب . وقد كان ابن جميع ممن انتقدوا ( قانون ) ابن سينا في مؤلفه « كتاب التصريح بالمكنون في تنقيح القانون ( 8 ) .